نحو تطوير النجاعة الطاقية وتخفيض الاستهلاك بـ30% في أفق 2030
تشير التقديرات المستقبلية إلى أن الطلب على الكهرباء في تونس سيواصل نسقه التصاعدي خلال الفترة 2026-2030 مدفوعاً بعدة عوامل تشمل توسّع الأنشطة الاقتصادية والتحولات الاجتماعية وأنماط الاستهلاك المنزلي والتوسع العمراني والمرافق العمومية.
ووفق وثائق حكومية رسمية، من المنتظر أن يبلغ معدل نمو الاستهلاك السنوي للكهرباء سنوياً بين 2.5% و3.5%، وهو ما يتطلب توفير طاقات إنتاج إضافية قد تصل إلى 600 ميغاواط سنوياً لمواكبة الحاجيات المتزايدة وضمان استمرارية التزود.
أما الطلب على الغاز الطبيعي فيعرف منحى مزدوجاً يتمثل في التراجع النسبي لإنتاج قطاع الكهرباء مع تسارع إدماج الطاقات المتجددة والربط الكهربائي، مقابل ارتفاع طلب الحرفاء الصناعيين والتجاريين.
القطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة
ويعد قطاع النقل أحد أكبر مستهلكي الطاقة في تونس بنسبة تتجاوز 34% من الاستهلاك النهائي.
ويستهلك قطاع السكن نحو 28% من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة، ويتأثر بالطلب على الكهرباء وغاز البترول المسال بفعل النمو الديمغرافي واتساع العمران.
ويركّز المخطط التنموي 2026 – 2030 على إدماج النجاعة الطاقية في البناء والتجهيزات وفرض معايير دنيا على المعدات المنزلية، مع مواصلة البرنامج الوطني لتوزيع المصابيح الاقتصادية وتعميم العدادات الذكية تدريجياً لتغطية نصف الشبكة السكنية بحلول 2030، كما يتم توفير آليات دعم للأسر لاقتناء التجهيزات الأعلى كفاءة بما يخفض الذروة الصيفية ويقلل الضغط على التوليد الغازي والكهرباء المستوردة.
ويبلغ استهلاك قطاع الخدمات حوالي 9% من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة، ويشهد نمواً سريعاً بفعل التوسع الحضري والاقتصادي، وخاصة في الوحدات السياحية والإدارات والمستشفيات.
ويقترح المخطط التنموي توسيع الإنتاج الذاتي لهذا القطاع بالطاقات المتجددة وتعميم نظم الإدارة الطاقية في المؤسسات الكبرى، وتجهيز المباني العمومية بالألواح الفولطاضوئية، وتطوير منصة إلكترونية لتتبع الاستهلاك، وتحفيز الوحدات السياحية على الاستثمار في النجاعة.
أما القطاع الفلاحي، الذي يمثل حوالي 6% من الاستهلاك النهائي، فهو يعتمد أساساً على الكهرباء والغازوال لضخ المياه وتشغيل الآلات، ويعالج المخطط هذه الإشكاليات عبر دعم استعمال الطاقة الشمسية في الري وتجديد الأسطول.
وتبرز النجاعة الطاقية كأحد الركائز الرئيسية لتحقيق الأمن الطاقي، خاصة في القطاع الصناعي الذي يُعدّ من أكثر القطاعات استهلاكاً للطاقة، حيث يُقدّر استهلاكه بنحو 24% من إجمالي الطلب النهائي على الطاقة، مع اعتماد شبه كلي على مصادر أحفورية متقلبة الأسعار. ونتيجة لذلك، يساهم هذا القطاع بنحو 35% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة.
الطاقات المتجددة
وتتجسّد التوجهات الاستراتيجية لترشيد استهلاك الطاقة من خلال مجموعة من البرامج منها ما هو قيد التنفيذ حالياً ومنها ما تم برمجته للفترة 2026 – 2030، ومن بينها النهوض بالتدقيق الطاقي في قطاع السكن عبر إنجاز حوالي 50 كشفاً طاقياً، والنهوض بالتدقيق الطاقي في قطاع الخدمات عبر إنجاز حوالي 125 كشفاً طاقياً، ودعم تحسين مستوى النجاعة الطاقية على المستوى الوطني عبر استبدال 3.6 مليون فانوس متوهج بفوانيس LED، ودعم برنامج الانتقال الطاقي بالمؤسسات العمومية عبر استبدال 250 ألف نقطة ضوئية، واستبدال 10 آلاف مكيف هواء، وتركيب 1600 نظام متابعة للطاقة وإنجاز 66 تدقيقاً طاقياً معمقاً.
كما ضبطت الدولة برنامجاً لترشيد استهلاك الطاقة في قطاع النقل إلى موفّى سنة 2030، يشمل كهربة أسطول النقل العمومي عبر إدراج حوالي 49 ألف سيارة كهربائية و500 حافلة كهربائية ضمن الأسطول، وتطوير البنية التحتية للشحن عبر إنشاء حوالي 4050 محطة شحن كهربائية، وتحسين نجاعة الطاقة وإدارتها في قطاع السيارات عبر وضع التأشير الطاقي.
كما ساهمت مجمل مشاريع وبرامج الإنتاج الذاتي للكهرباء في الجهدين المتوسط والعالي منذ سنة 2010 في تركيز قدرة إجمالية بـ 400 ميغاواط، فيما سيتواصل خلال فترة المخطط إنجاز مشاريع بقدرة سنوية تفوق 80 ميغاواط، وسيتم تنفيذ مجموعة من البرامج من قبل الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة حيث سيتواصل تشجيع العائلات والبلديات والمؤسسات العمومية على إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.
وتشير التوقعات إلى أن متوسط نمو الاستهلاك النهائي للطاقة سيبلغ 1.8% سنوياً خلال الفترة 2021 - 2035، مقابل معدل قد يصل إلى 4.4% سنوياً في غياب أي تدخلات لترشيد الاستهلاك وتعزيز النجاعة الطاقية.
التضخم الطاقي ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر
وتُظهر المؤشرات المتوفرة أنّ التضخم الطاقي ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، حيث بلغ معدّل الخسارة السنوية للفرد، وفق ما ورد في وثيقة السياسات التنموية من مشروع مخطط التنمية، حوالي 165 ديناراً سنة 2024، وهو ما يستدعي تحويلات إضافية تناهز 660 ديناراً سنوياً لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد قصد الحفاظ على نفس مستوى الاستهلاك.
وبيّنت التجارب المقارنة أن برامج الترشيد السلوكي تسمح بتخفيض الطلب المنزلي على الكهرباء بنسب تراوح بين 12 و18% في ظرف 5 سنوات فقط.
تطوير إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة
وتستهدف تونس رفع حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى 35% بحلول سنة 2030 من خلال كل من نظام اللزمات الذي يشمل إطلاق مشاريع كبرى لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح، ونظام التراخيص من خلال تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في محطات متوسطة الحجم، وكذلك نظام الإنتاج الذاتي بهدف تمكين المؤسسات الصناعية والمنازل من إنتاج حاجياتهم من الكهرباء وبيع الفائض للشركة التونسية للكهرباء والغاز.
اقتصاد منخفض الكربون
وترتكز الرؤية المعتمدة للانتقال الطاقي على تحسين الاستقلالية الطاقية عبر تقليص العجز الطاقي وزيادة مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي لتبلغ 35% موفّى سنة 2030، بما يعزّز التنويع والاعتماد على الموارد المحلية.
كما تسعى الرؤية إلى تطوير نجاعة استعمال الطاقة من خلال تخفيض الاستهلاك بنحو 30% في أفق سنة 2030، إلى جانب الالتزام بالجهود الوطنية والدولية للحدّ من التحديات المناخية عبر تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 46% في قطاع الطاقة عند موفّى سنة 2030، بما يرسّخ مساراً واضحاً نحو اقتصاد منخفض الكربون، وفق مخطط التنمية.
الحبيب وذان